أمة في خطر: قلب تكنولوجيا العراق تحت رحمة الكراكرز
مقال تحليلي | تحذير سيبراني عاجل
📌 مقدمة
بينما يتجه العالم اليوم بخطى ثابتة نحو التخلص من هيمنة عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين آخرهم فرنسا بإعلانها الرسمي التحول من نظام ويندوز إلى لينكس مفتوح المصدر على 2.5 مليون جهاز حكومي، نجد العراق في الجانب الآخر من العالم، نائما بعسل ويندوز وأوفيس (أبو ألف دينار) متباهياً برفضه الخدمات السحابية بأنه انجاز سيبراني لا يمكن التنازل عنه. وهو في الوقت نفسه يسمح لأخطر شركات التكنولوجيا (ميتا، غوغل، أبل، تيك توك) بالاحتفاظ ببيانات شعبه وحكومته في سيرفرات خارج الحدود. هذه المفارقة العجيبة والتوليفة الغريبة ستؤدي بالنهاية في أفضل سيناريوهاتها إلى كوارث لن نحمد عقباها.
هذا المقال هو بمثابة نداء خطر، وتقرير موجّه إلى الحكومة العراقية، وإلى كل مواطن شريف يستطيع أن يضغط لإيصاله إلى أعلى المستويات الحكومية لاتخاذ ما يلزم، فهو يستعرض حجم الكارثة الصامتة التي تعصف بالبنية التحتية الرقمية للدولة، ويدعو إلى اتخاذ خطوة جريئة على غرار النموذج الفرنسي: التحول إلى لينكس وليبر أوفيس، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
🇫🇷 فرنسا نموذجاً في السيادة الرقمية
في نيسان ٢٠٢٦، أعلنت الحكومة الفرنسية عن خطة طموحة لنقل إداراتها من نظام ويندوز إلى لينكس، في خطوة وصفتها وسائل الإعلام بأنها "الأكبر في التاريخ الأوروبي". لم يأت هذا القرار من فراغ، بل جاء نتيجة وعي متزايد بمخاطر الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، خاصة في ظل قوانين مثل CLOUD Act التي تسمح للسلطات الأمريكية بالوصول إلى البيانات المخزنة لدى الشركات الأمريكية، حتى لو كانت خارج أراضيها.
وتشمل الخطة الفرنسية حزمة متكاملة من الأدوات السيادية، منها تطبيق Tchap للمراسلة المشفرة، وVisio بديلاً عن Microsoft Teams، وFranceTransfert بديلاً عن Google Drive، وMessagerie للبريد الإلكتروني، وكلها مستضافة على خوادم فرنسية خاضعة للقانون الفرنسي.
ولم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة؛ فقد سبقها نجاح الدرك الوطني الفرنسي (Gendarmerie nationale) الذي بدأ تحوله منذ عام 2008 وأطلق نسخته المخصصة "GendBuntu"، والتي تعمل اليوم على أكثر من 103,000 محطة عمل، محققة توفيراً سنوياً يقدر بمليوني يورو.
كما أن فرنسا لم تكن أول المهاجرين نحو أنظمة التشغيل المفتوحة فقد سبقتها عشرات الدول منها من بنى لبلده توزيعة لينكس خاصة (أو أكثر) على شاكلة الصين وكوريا الشمالية وروسيا وايران، ومنهم من اكتفى بالتحول الى ليبر اوفيس مثل بريطانيا. هذا بالإضافة إلى الهجرة الكبيرة للاعبين (القيمرز) إلى لينكس. بل أن مايكروسوفت نفسها (والأمر ليس نكتة ابدا بل محض حقيقة) طورت لنفسها توزيعة لينكس خاصة بها. وحتى شركة أبل صاحبة ماك او اس (نظام أجهزة ماك) وآي أو أس وآيباد أو أس (نظامي ايفون وآيباد) هي الأخرى طورت لنفسها توزيعة لينكس الخاصة بها.
وللقارئ غير المطلع أقول، ان نظام لينكس هو نواة يدعمها ملايين المبرمجين حول العالم ويقوم الكثير من الشركات والمنظمات (وحتى الأشخاص) ببناء توزيعاتهم الخاصة أو تبني توزيعة معينة وتنصيبها. وأنا، محدثكم، مستخدم لأنظمة لينكس منذ أكثر من عقدين، قمت لمرات عدة بإجراء تغييرات جدية على بعض التوزيعات، بل ولدي مشروع صغير لعمل توزيعتي الخاصة بنكهة عراقية. والأمر الجميل في توزيعات لينكس أن أغلبها مجانية بالكامل وليست مكركة أو مسروقة كنظام ويندوز.
🇮🇶 الموقف العراقي...
في تناقض صارخ، تتبنى الحكومة العراقية موقفاً متشدّداً تجاه الخدمات السحابية، رافضةً إيداع بياناتها في خوادم خارجية بحجة الحفاظ على السيادة الوطنية (وهو ما لا أعترض عليه البتة شريطة توفير البدائل). ويؤكد المسؤولون العراقيون أن "العراق لا يسمح بتمرير الاتصالات عبر أي أنظمة أو دول تتعارض مع سيادته الوطنية". بل إن غياب السيطرة على الخوادم يعني أن البيانات قد تُخزن أو تُعالج خارج الحدود الوطنية، ما يفتح الباب أمام احتمالات الاختراق أو الاستخدام غير المشروع. وهذا الموقف، وإن كان مفهوماً من حيث المبدأ، يصبح عبثياً عندما ننظر إلى الجانب الآخر من المعادلة: فبينما ترفض الحكومة تخزين بياناتها في السحابة خوفاً من الاختراق، فإنها تستخدم في الوقت نفسه برمجيات مكسورة الحماية على مئات الآلاف من أجهزة الدولة، وكأنها تفتح الباب الخلفي للمخترقين طواعية. ليس هذا فحسب وإنما تحتفظ كل من غوغل وميتا (الشركة الأم لفيسبوك وانستغرام وواتس آب أكثر البرامج استخداما في العراق) وتيكتوك وأبل وأكس (تويتر سابقا) وغيرهم ببيانات ملايين العراقيين في سيرفراتها خارج الأراضي العراقية وليس للعراق أي سيطرة على هذه السيرفرات.
⚠️ 99% من الحواسيب الحكومية تحت رحمة الكراكرز
ليس بعيدا عن أي متخصص (أو غير متخصص) بالشأن التقني حقيقة أن ما يقارب 99% من الحواسيب في المؤسسات الحكومية العراقية تعمل بنسخ مكركة من ويندوز ومايكروسوفت أوفيس تباع بأقراص مجهولة المصدر بسعر لا يتجاوز ١٠٠٠-١٥٠٠ دينار بينما السعر الحقيقي لويندوز مثلا لا يقل عن ١٢٠ دولار (لو اشترى العراق نسخه المؤسسية من مايكروسوفت كان يمكن ان تكلف الواحدة حوالي ٢٠ دولارا للحاسبة الواحدة). هذه النسخ، التي يتم "كسر حمايتها" من قبل قراصنة مجهولين، تحمل في طياتها مخاطر لا حصر لها:
- أولاً: أبواب خلفية مفتوحة. عند استخدام نسخة مقرصنة من ويندوز أو أوفيس، فإن المستخدم لا يحصل على تحديثات الأمان الرسمية من مايكروسوفت. وهذا يعني أن أي ثغرة أمنية يتم اكتشافها في النظام تبقى مكشوفة إلى الأبد، مما يسمح للمخترقين باستغلالها بسهولة. وقد أعلنت مايكروسوفت مؤخراً إغلاق ثغرة التفعيل غير القانونية "KMS38" التي كان يعتمد عليها القراصنة لسنوات في تفعيل ويندوز وأوفيس، مما يعني أن ملايين الأجهزة التي كانت تعتمد على هذه الثغرة أصبحت الآن عاجزة عن التحديث، وبالتالي أكثر عرضة للاختراق من أي وقت مضى.
- ثانياً: البرمجيات الخبيثة المرفقة. غالباً ما تكون البرمجيات المقرصنة ملوثة بفيروسات وبرامج تجسس وبرامج فدية. فعندما يقوم موظف حكومي بتحميل نسخة "مفعلة" من ويندوز أو أوفيس من مصدر غير موثوق، فإنه قد يكون في الواقع يقوم بتثبيت برنامج تجسس يرسل كل ما يكتبه أو يفتحه إلى جهة خارجية. وقد حذّرت تقارير أمنية من أن "البرامج المقرصنة والمحتوى المقرصن غالباً ما تكون محملة بالبرامج الضارة، وبرامج الفدية، أو غيرها من أنواع البرامج الخبيثة التي يمكن أن تهدد جهاز الكمبيوتر".
- ثالثاً: انتهاك للقوانين الدولية. استخدام البرمجيات المقرصنة في المؤسسات الحكومية يشكل انتهاكاً صريحاً لقوانين الملكية الفكرية، ويعرض العراق لعقوبات دولية وإجراءات قانونية. وقد أشارت دراسات إلى أن "القرصنة منتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العراق، وتتفاقم بسبب فشل السلطات العراقية في اتخاذ أي إجراءات لإبطاء أو ردع هذه القرصنة".
وهنا قد يعلق أحد المتحذلقين قائلا: نحن نستخدم هذه النسخ من سنوات عديدة ولم يحصل شيء وهنا أقول له أن عدم الوجدان لا يعني عدم الوجود، وحيث أنك لم تكتشف ما سرق منك هذا لا يعني أنه لم يسرق بالأصل. بل أن السارق لن يظهر لك الباب السري الذي يقتات منه على بياناتك.
🔥 العراق تحت النيران.. هجمات إلكترونية متصاعدة
ليست المخاطر نظرية أو افتراضية؛ فالواقع يؤكد أن العراق أصبح هدفاً رئيسياً للهجمات الإلكترونية من جهات متعددة. فقد كشفت تقارير شركات الأمن السيبراني عن سلسلة من الهجمات الموجّهة ضد البنية التحتية الحكومية العراقية:
- في مارس 2026، رصدت شركة Check Point Research حملة هجمات متقدمة تستهدف الحكومة العراقية، استخدمت فيها برمجيات خبيثة جديدة تحمل أسماء Veaty و Spearal، وتم تسليمها عبر مرفقات وثائق مزيفة تحمل شعار وزارة الخارجية العراقية.
- كشفت تقارير عن مجموعة Dust Specter ، والتي تستهدف المسؤولين العراقيين عبر رسائل تصيد تحاكي مراسلات وزارة الخارجية، وتوزع برمجيات خبيثة جديدة مثل SPLITDROP و GHOSTFORM. والأكثر خطورة أن هذه المجموعة تمكنت من اختراق البنية التحتية الحكومية العراقية ذاتها (ca.iq) لاستخدامها في توزيع الحمولات الخبيثة.
- مجموعة BladedFeline حافظت على وصول غير مصرح به إلى أنظمة حكومة إقليم كردستان منذ عام 2017، واخترقت أيضاً مسؤولين في الحكومة المركزية العراقية.
- في يوليو 2026، كشف تقرير لشركة Positive Technologies عن استخدام وثائق مايكروسوفت أوفيس الضارة في هجمات تستهدف العراق، مع تقنيات متطورة لتوصيل مكونات خبيثة.
هذه ليست مجرد أرقام وتقارير؛ إنها دليل على أن أجهزة الحكومة العراقية، المليئة بالبرمجيات المقرصنة، هي أهداف سهلة للمخترقين الذين يستغلون الثغرات الأمنية المعروفة في هذه البرمجيات. فبدون تحديثات الأمان الرسمية، تصبح هذه الأجهزة بمثابة "بيوت مفتوحة" للجواسيس الإلكترونيين.
🔄 التحول إلى لينكس وليبر أوفيس... هل هو الحل؟
لماذا لينكس؟
لينكس ليس مجرد نظام تشغيل بديل؛ إنه خيار سيادي بامتياز. فهو نظام مفتوح المصدر، مما يعني أن كود مصدره متاح للجميع للتدقيق والتحسين. وهذا يمنح الحكومة العراقية السيطرة الكاملة على النظام، دون الحاجة إلى الاعتماد على شركة أجنبية. والأهم من ذلك، أن لينكس مجاني تماماً، مما يوفر على الدولة ملايين الدولارات التي كان من الممكن ان تُنفق على تراخيص ويندوز. كما أنه أكثر استقرارا بمراحل من أنظمة ويندوز. وهنا سأتكلم عن تجربتي التي تكررت لعشرات المرات في العديد من الدوائر الحكومية. أجد أن الموظف يعاني ويتمتم بينه وبين نفسه فأسأله فيقول: الحاسبة مهجومة، ما ادري شبيهة ما.... ويذكر العقبات. وفي أغلب الأحيان تكون خلفية سطح المكتب استبدلت بالسوداء مع كتابة أسفل اليمين تخبرك أن نسختك مقرصنة وتطالبك بمفتاح المنتج (الذي يباع بسعر ١٢٠ دولار رسميا طبعا). والحل ببساطة ان تستنجد من جديد بقراصنة كي أم أس ليحلوا لك المشكلة (قربة إلي الله تعالى ههههههه).
لماذا ليبر أوفيس؟
ليبر أوفيس هو البديل المثالي لمايكروسوفت أوفيس، وهو أيضاً مفتوح المصدر ومجاني. يحتوي على جميع الأدوات التي تحتاجها المؤسسات الحكومية: معالج نصوص، جداول بيانات، عروض تقديمية، وقواعد بيانات. والأهم، أنه آمن ولا يحتوي على ثغرات أمان يمكن استغلالها من قبل المخترقين. وطبعا قد يقول لي متحاذق أن لا غنى عن مايكروسوفت أوفيس وردي لن يكون سوى: أنظر إلى بريطانيا.
📚 دروس من تجارب سابقة
لقد أثبتت التجارب العملية جدوى هذا التحول. فإلى جانب التجربة الفرنسية، هناك تجربة ولاية شليسفيغ-هولشتاين الألمانية التي بدأت تحولها في 2024 وأكملت حوالي 80% من عملية انتقال 30,000 محطة عمل، محققة توفيراً قدره 15 مليون يورو في تكاليف التراخيص في عام 2026 وحده.
أما في العراق، فهناك تجارب فردية ناجحة يمكن البناء عليها، مثل تجربة بعض المؤسسات التي بدأت بالفعل في استخدام البرمجيات مفتوحة المصدر. لكن ما نحتاجه هو قرار سياسي على أعلى مستوى، يشبه القرار الفرنسي، يضع خطة واضحة للتحول التدريجي إلى لينكس وليبر أوفيس في جميع المؤسسات الحكومية.
⚖️ الخلاصة: خياران.. السيادة أو الفوضى
يقف العراق اليوم أمام مفترق طرق مصيري:
- الخيار الأول: الاستمرار في السياسة الحالية، مع التناقض بين رفض السحابة وقبول الكراك وسحابة الشركات المتهمة أصلا بانتهاك الخصوصية. وهذا يعني استمرار تعريض البيانات الحساسة للاختراق، واستمرار انتهاك القوانين الدولية، واستمرار الهدر المالي غير المباشر (تكاليف التعافي من الهجمات، فقدان الثقة، والعقوبات المحتملة).
- الخيار الثاني: اتخاذ قرار جريء على غرار القرار الفرنسي، بالتحول التدريجي إلى لينكس وليبر أوفيس. وهذا يعني استعادة السيادة الرقمية الحقيقية، وتأمين البيانات الوطنية، وتوفير المليارات من الدولارات على المدى الطويل، وبناء كوادر وطنية ماهرة في مجال البرمجيات مفتوحة المصدر. وليس هذا فحسب بل الانتقال إلى تعليم ليبر أوفيس بديلا لمايكروسوفت أوفيس لطلبة المدارس والجامعات علما أن الانتقال بالنسبة للفرد لن يكون بالغ الصعوبة.
إن الأمن القومي للعراق لا يقدر بثمن. فكل جهاز حكومي يعمل بنسخة مقرصنة من ويندوز هو ثغرة في جدار الدفاع الوطني. وكل وثيقة حساسة تُكتب على أوفيس مكسور الحماية هي ورقة في يد العدو.
حان الوقت لأن تدرك الحكومة العراقية أن السيادة الرقمية لا تتحقق بالرفض الشكلي للخدمات السحابية، بل بامتلاك البنية التحتية الرقمية والتحكم الكامل بها. وحان الوقت لأن تتخذ الخطوة التي سبقتها إليها فرنسا وألمانيا، والصين وروسيا وايران وغيرهم وتنتقل من عصر التبعية والقرصنة إلى عصر السيادة والأمان. بل ويجب أن تتخذ قرارا صارما يلزم الشركات التقنية لنقل سيرفراتها إلى داخل العراق وتأمين عدم انتقال البيانات لأي جهة أو دولة صدقة كانت أم عدوة.
✍️ عن الكاتب
محمد رضا عباس يوسف
أكاديمي عراقي
كلية الإمام الكاظم (ع) - ديالى

تعليقات
إرسال تعليق