طائر الفينيق الذي أربك الحيتان: قصة عودة هواوي من الرماد مقابل مايكروسوفت التي بدأت تحفر قبرها بأظفارها
مقال تحليلي | أنظمة التشغيل والصراع التكنولوجي العالمي
في أكتوبر 2019، وقفتُ أراقب المشهد التقني بذهول. كانت هواوي تُساق إلى المقصلة الأمريكية، ومايكروسوفت تجلس على عرشها الذي لم يتزعزع منذ أربعة عقود. لم أكن أتخيل للحظة أن ما سيحدث بعد سبع سنوات سيكون أقرب إلى رواية ملحمية منها إلى واقع التكنولوجيا: المحكوم عليه بالإعدام صار يصنع قوانين اللعبة، بينما الحصن المنيع اصبح يتصدع من الداخل.
دعني أصحبك في هذه الرحلة التي بدأتها بالتحذير من ويندوز 10، ثم بكشف خبايا لينكس، ثم بكشف وضع العراق التقني غير المريح (وهذا أرقى أسلوب يمكنني أن اصفه به. واليوم أكمل معك عزيزي القارئ الصورة الكبرى: كيف خسرت مايكروسوفت حصنها الرقمي، بينما بنت هواوي عالماً جديداً من تحت الرماد؟
هذه القصة ليست عن شركتين تتنافسان على حصة سوقية. إنها قصة نموذجين متصادمين: نموذج الاحتكار والإملاءات الذي تمثله مايكروسوفت، ونموذج السيادة الرقمية الذي باتت تمثله هواوي. وبين هذين النموذجين، تقف دول وحكومات تتخذ قراراتها المصيرية.
بداية الحكاية: جريمة هواوي التي لم ترتكبها
في مقال سابق لي عن وداع ويندوز 10، شرحت كيف أن مايكروسوفت بدأت تفقد بوصلتها الأخلاقية مع مستخدميها. لكن قصة هواوي مختلفة تماماً، بل هي مرآة عاكسة لما يمكن أن تفعله الإرادة السياسية في شركة تكنولوجية.
في 16 آيار (مايو) 2019، لم تُفرض على هواوي عقوبات تجارية بسيطة. بل صدر حكم بالإعدام التقني: أُدرجت في "قائمة الكيانات" الأمريكية، فانقطعت عنها خدمات غوغل المحمولة (GMS). تخيل أن تستيقظ فجأة لتجد أن هاتفك الذكي - الذي كان ينافس سامسونغ وأبل وبدأ يكتسحهما بسهولة - قد تحول إلى رماد والأجهزة المنتشرة في السوق بالاضافة إلى جيل واحد أو جيلين تحت الانتاج هم الناجون الوحيدون من هذه المجزرة، فقد اصبحت الأجيال القادمة بلا متجر تطبيقات، بلا خرائط، بلا يوتيوب.
وقد سخر المراقبون ووصف الكثير منهم الأمر بأنه النهاية الأكيدة. كيف لنظام تشغيل وليد أن يزيح أندرويد وiOS؟ لكن ما غاب عن معظمهم هو أن هواوي لم تكن تخطط لمعركة هواتف فقط بل كانت تحفر نفقاً تحت المحيط بأكمله.
النواة التي أربكت الجميع: ما سر نظام هارموني أو إس؟
في مقالي عن لينكس للباحثين العرب، شرحت كيف أن نظام لينكس هو نواة تدعمها ملايين العقول حول العالم. لكن ما فعلته هواوي مع هارموني أو إس كان قفزة نوعية مختلفة تماماً.
السر لم يكن في واجهة المستخدم، بل في النواة (Kernel). إصدارات هارموني الأولى استخدمت نواة لينكس لتضمن توافق تطبيقات أندرويد. وقد كان هذا جسراً للعبور وليس الوجهة النهائية. وفي حزيران (يونيو) 2024، أغلقت هواوي الجسر وأحرقته مع إطلاق HarmonyOS NEXT:
- نواة هارموني (Harmony Kernel): نواة مايكروكيرنل حقيقية، مكتوبة من الصفر وليست نسخة معدلة من لينكس. ولمن لا يعرف المايكروكيرنل فهل مجموعة أنوية تخدم كنواة واحدة (ببساطة شديدة قدر الامكان) وإن تعطل خدمة واحدة لا يمس النواة كما ان الأمان ارتفع بشكل صاروخي.
- إسقاط دعم APK نهائياً: لم يعد النظام يشغل تطبيقات أندرويد. التطبيقات تُكتب بلغة ArkTS وتُترجم إلى كود آلة أصلي عبر Ark Compiler. وبسبب هذه العملية قفز الأداء 30% عن أندرويد.
- المحرك الموزع: ليس مجرد نظام تشغيل، بل نسيج يربط هاتفك وتلفازك وسيارتك وعداد الكهرباء في "جهاز افتراضي" واحد. فكاميرا الهاتف على سبيل المثال تصبح كاميرا التلفزيون تلقائياً.
في آب (أغسطس) 2026، ومع HarmonyOS 6.0، انتقلت النواة من مايكروكيرنل إلى "نانوكيرنل" يدمج الذكاء الاصطناعي في جدولة المهام. صار النظام يتنبأ باحتياجاتك من الموارد قبل أن تطلبها. هذا لم يعد تعديلاً على لينكس، بل بناء كامل من الأساس. وهنا أود أن اضيف أنني وفي إطار بحثي عن معالجات منطقية لثقل أنظمة التشغيل قفزت أمامي مصطلحات مثل المايكروكيرنل والنانوكيرنل ولم أكن قد سمعت عنها قبل ذلك. وقد اكتشفت أن من أهم مشاكل أنوية أنظمة التشغيل القديمة هو أولا اللغة التي بنيت بواسطتها هذه الانوية، والاخطاء المتآتية من التضخم الناتج عن الترقيعات المتتالية وتضخم النواة بمرور الزمن. فنواة لينكس رغم عبقريتها ودعمها الكبير زاد عدد الاسطر فيها (حسب ما قرأت في مكان ما) عن عشرة ملايين سطر برمجي وقد كتبت بالكامل بلغة سي القديمة (نعم ان الترقيعات الحديثة اصبحت بلغة رست Rust الى جانب سي لكن الاخيرة بقيت لها حصة الاسد). كل هذا تجاوزته نواة هذا النظام الشاب بل تعدته الى استخدام احدث الستراتيجيات واكثرها فعالية لبناء الانظمة منها استخدام المايكوكيرنل أو النانوكيرنل.
من الصين إلى أبواب أوروبا: زحف لا يتوقف
في الربع الأول من 2024، تجاوزت حصة HarmonyOS حصة iOS في الصين لأول مرة في التاريخ. وبحلول آب (أغسطس) 2026، بلغت حصة النظام من الأجهزة الجديدة أكثر من 40%. لكن الأهم أن هذا لم يعد مقتصراً على الهواتف:
السيارات (AITO):
سحقت مبيعات الطرازين M7 وM9 منافسين عريقين. نظام هارموني ليس مجرد مرآة لهاتفك في السيارة، بل هو جزء من كابينة القيادة الذكية وهو يدخل إلى ادق التفاصيل في أجزاء سيارتك.
القطاع الحكومي الصيني:
اختفت مايكروسوفت تماماً في القطاع الحكومي الصيني فملفات وورد لم يعد لها وجود. وقد حلت محلها WPS Office على HarmonyOS NEXT هذه الحزمة التي أبهرت العالم والتي لم تحصرها الشركة المنتجة لها فقط في نظام واحد بل عممتها الى كل الانظمة المعروفة. وهي متوافقة بشكل كبير مع ملفات مايكروسوفت اوفيس. كما أن لديها نسختان الاولى مجانية وهي كافية للمستخدم العادي والثانية مدفوعة للمستخدم المحترف.
أما أوروبا، فلم تدخلها هواوي عبر الهواتف مباشرة. بل عبر سلاح أخطر بكثير: سطح المكتب الافتراضي (VDI) على سحابات سيادية.
القرار الفرنسي التاريخي (يونيو 2026): أصدرت الحكومة الفرنسية تعميماً أمنياً (Circulaire 2026-09) يحظر استخدام Microsoft 365 وAzure في البنى التحتية الحيوية والوزارات السيادية خلال 24 شهراً، ويفرض "الانفتاح الهندسي" الذي يسمح للحكومة بتدقيق كامل لكود المصدر. هذا هو القرار الذي تمنيتُ لو اتخذته حكوماتنا العربية وبالخصوص العراقية ولك في مقالي مقالي عن أمة في خطر شرح مفصل يمكنك زيارته.
في فرنسا، تدير هواوي بالشراكة مع Outscale سطح مكتب افتراضي بنظام HarmonyOS للموظفين الحكوميين. في ألمانيا، توزيعة "Open Desktop 2030" تستضيف جلسات افتراضية من مراكز بيانات تشغلها أجهزة هواوي. نعم تدرس فرنسا بجدية تطوير بنيتها التحتية الخاصة بها لكي تبتعد عن الهيمنة الاجنبية شأنها شأن الكثير من دول العالم ولكن دخول هواوي لم يكن بالامر الهين.
الوجه الآخر للقصة: كيف انهار حصن مايكروسوفت؟
بينما كانت هواوي تبني سفينتها في العاصفة وتلملم شتاتها وتعيد بناء هيكلها من الرماد، كانت مايكروسوفت تفعل ما حذرتُ منه مراراً في مقالاتي عن ويندوز 10 وويندوز 11: الغطرسة المؤسسية التي لا ترى أبعد من أرباحها الفصلية. وهنا أكاد أجزم أن مديرها التنفيذي ساتيا ناديلا لم يكن بحنكة من سبقوه وبالأخص العبقري الكبير والمؤسس الذي ينسب له الفضل في صعودها بيل غيتس. فالتركيز على الارقام على ما يبدو أفقده النظرة الستراتيجية الحكيمة فأصبح كمن يبيع مكائن مصننعه من أجل أن يرفع سقف أرباحه.
الخطأ الأول: التحديث القاتل Windows 11 2024H2
فرضت مايكروسوفت دمج "Copilot+" في نواة النظام وأجبرت الأجهزة على وجود معالجات عصبية. النتيجة؟ آلاف البرامج الحكومية القديمة التي تدير مستشفيات وبنوكاً ووزارات مالية انهارت فجأة. صافي نقاط الترويج (NPS) بين مسؤولي تقنية المعلومات في أوروبا سجل -40. هذا رقم مرعب. كما أن أكثر مستخدمي أنظمة ويندوز تعصبا بدأوا يناقشون أمر الرحيل على مضض. فمن جهة أصبحت ملايين الحاسبات التي تعمل بنشاط تحتاج إلى تغيير ومن جهة أخرى صارت مايكروسوفت مالك بياناتك بشكل الرسمي.
الخطأ الثاني: كارثة Storm-2460 (فبراير 2025)
استغل قراصنة ثغرة في بروتوكول NTLM القديم (نعم، إرث أربعين عاماً) وثغرة في آلية توقيع Windows Update نفسها. تم دفع تحديث خبيث موقع بشهادة مايكروسوفت الرسمية المخترقة. تسممت قناة التحديث نفسها. اخترقت وكالات حكومية في ألمانيا وفرنسا والبرازيل. أثبت تعقيد كود ويندوز أنه عدو نفسه.
الخطأ الثالث: الجشع في الترخيص
حوّلت مايكروسوفت أوفيس إلى ضريبة. جُمعت ميزات الذكاء الاصطناعي في باقة M365 E5 الحكومية، فقفزت التكاليف على بعض الوزارات 150%. في زمن التقشف، صار دفع الملايين سنوياً مقابل "مساعد يكتب إيميلات" انتحاراً سياسياً. فالموظف الحكومي انسان كسول لا يريد أن يتعلم أمورا تعيق عمله المكتظ أصلا والخدمة بالمقابل لا تغري كثيرا كما أن الخصوصية والأمان اصبحى (يلطمان في الزاوية)
والأهم من كل هذا، أدركت الحكومات أخيراً أن تنسيق docx المغلق يجعل بياناتها رهينة دائمة لخزائن مايكروسوفت. وميزانياتها المثقلة بالأصل أصبحت تجبر على الدفع أكثر وبشكل مستفز. وهنا بدأت الثورة الحقيقية.
الجيش الذي لا يُقهر ينهار: WPS وليبر أوفيس وأونلي أوفيس وEU Office
في تحليلي عن لينكس للباحثين العرب، ذكرتُ أن أونلي أوفيس هو البديل الذي أنصح به للباحثين. لكن ما يحدث عالمياً أضخم بكثير مما تحدثت عنه هناك.
WPS Office: الكاسح الصامت
صار المعيار الوطني في الصين، بحصة 91% في القطاع الحكومي. وعندما انتقلت الصين إلى HarmonyOS NEXT، كانت WPS جاهزة بتطبيق معاد كتابته بالكامل بلغة ArkTS. لم يشعر أحد بفقدان إنتاجيته. أما خارج الصين فقد آصبح رفيق كل من كان يستخدم تطبيقات مايكروسوفت اوفيس على هاتفه الذكي أو تابلته ببساطة لأن مايكروسوفت حاصرتهم لتجبرهم على الدفع (وبسخاء) مقابل برامج يستخدمها بالصدفة. كل هذا عرف الناس بهذه الحزمة المكتبية الصينية الراقية.
LibreOffice: دعامة السيادة الأوروبية
أنا من مستخدمي ليبر اوفيس منذ كان اسمه اوبين اوفيس وتم غدر المطورين وبيعه الى شركة ليقوم نفس المطورين بالانتقام وعمل النسخة الجديدة المسماة ليبر اوفيس وبشروط محبي البرامج الحرة. هذه الحزمة بدأت تقفز قفزات خيالية وتتطور بشكل مخيف وقد ساعد تبني العديد من الحكومات له بتطوره أكثر وأكثر. وقد قفز من 8 ملايين مستخدم مؤسسي في أوروبا إلى 45 مليوناً بنهاية 2025، بفضل نسخة 25.2 التي أنهت مشكلة توافق docx. هذا ما كنتُ أحلم به عندما كنت استخدمه في السابق.
OnlyOffice: الوريث الحقيقي للتعاون السحابي
تسلل من لاتفيا ليسيطر على التعاون المؤسسي. ميزته القاتلة؟ يفتح ملفات docx/xlsx كصيغته الأصلية تماماً كما في أوفيس، مع تعاون لحظي على خوادم المؤسسة الخاصة. اعتمدته وكالة الأمن السيبراني الإيطالية والمفوضية الأوروبية. وقد قمت بتجربته على العديد من اجهزتي بمختلف انظمتها واثبت انه متكامل خصوصا للمستخدم العادي. وبالنسبة لي فقد سحب البساط من تحت WPS.
EU Office (EUPS): القنبلة الموقوتة. في تموز (يوليو) 2026، أعلنت المفوضية الأوروبية عن "حزمة الإنتاجية الأوروبية"، تجميعة من LibreOffice وOnlyOffice وThunderbird، مع معيار إلزامي للتشغيل البيني. ابتداءً من يناير 2027، أي مناقصة حكومية في الاتحاد الأوروبي يجب ألا تشترط docx، بل تنسيق ODF الموسع. هذا لا يحظر أوفيس، لكنه يفرض منافسة حرة تنهي الاحتكار. السلاح الذي استخدمته مايكروسوفت لاحتكار العالم (أوفيس) هو نفسه الذي أيقظ الجميع.
هل تصبح هواوي "أبل الشرق"؟ أو لربما شيئاً أخطر!
قد يتبادر إلى ذهنك سؤال: هل تحاول هواوي أن تكون نسخة صينية من أبل؟
الجواب: لا. بل ستكون كياناً جديداً تماماً.
- أبل هي "رولكس" التكنولوجيا: تبيع منتجاً فاخراً ونظاماً مغلقاً للمستهلك الفرد.
- مايكروسوفت كانت "مصلحة ضرائب" التكنولوجيا: تفرض عليك نظامها وبرامجها لأنك لا تملك خياراً آخر.
- هواوي تحولت إلى "جنرال إلكتريك الرقمية" في القرن 21: تبني محطات الطاقة (السحابة)، وخطوط السكك الحديد (الجيل الخامس)، والسيارات، والمصانع الذكية، ثم تضع هاتفاً فاخراً في جيبك ونظام تشغيل ينسق كل ذلك ولا تكاد تفتح لابتوبك الا وترى نظامها أمامك. اذن فهواوي تخطط لأن تكون كل شيء، من الإبرة للصاروخ.
الفرق الجوهري الذي يجب أن نفهمه: مايكروسوفت وآبل تبيعان منتجات وهيمنة منصة. أما هواوي فتبيع "الاستقلال الرقمي" وهذا ليس قولا دعائيا فعندما تستبدل حكومة فرنسية أو سعودية بنيتها التحتية بما تقدمه هواوي، فهي لا تشتري هاتفاً فاخراً. بل تشتري تأميناً ضد العقوبات والتبعية لوادي السيليكون.
لهذا فشل الحصار في 2019. لقد حاولت أمريكا كسر عظم هاتف، لكنها أيقظت تنيناً يبني بديلاً لمنظومة كاملة. تبدأ من حيث بدأت أبل ومايكروسوفت ولا تنتهي الا بمصانع السيارات الأوربية الفاخرة التي تعاقدت من أجل أنظمتها.
ما رأيك؟ هل ترى أن العالم يتجه فعلاً نحو نظام ثالث بقيادة هواوي؟ أم سنعود إلى فترة ما قبل هيمنة بعض الشركات فنجد عشرات الأنظمة تسيطر على مناطق مختلفة من العالم؟ أم أن العالم سيتوصل إلى معايير موحدة ونظم مختلفة؟ أم غير ذلك؟ شاركني رأيك في التعليقات.
✍️ عن الكاتب
محمد رضا عباس يوسف
مدون وتدريسي في
كلية الإمام الكاظم ع - ديالى / العراق
مدونة محمد رضا للتقنية

تعليقات
إرسال تعليق